رؤية واضحة للحضارة العالمية المعاصرة!

رؤية واضحة للحضارة العالمية المعاصرة!
بـقـلم :
أبـى عـبـدالـرحـمـن الـيـافـعـي

( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23)

اللهم من جاء مشاركا أو زائرا إلىهذا ( الـمـنـتـدى) نيته خالصة لوجهك فتقبل منه ومن كان غير ذلك فاجعل هدايته على يدي فيهذه الساعة المباركة. أو أكفناه بما شئت وكيف شئت. فبطشك قوي شديد ورحمتك وسعت كل شيء وعدلك يظلل كل شيء لا يظلم أحد منك ولا عندك ابدا .

رؤية واضحة للحضارة العالمية المعاصرة!

لقد أولى علماء ودعاة الاسلام الصادقين حفظهم الله لقضية الحضارة المعاصرة اليوم اهتماما عظيما فى مؤلفاتهم ومحاضراتهم ومناظراتهم العلمية والاجتماعية والسياسية فقدم العديد منهم جزاهم الله خيرا رؤية علمية متماسكة وصحيحة ومخرجا مستمدا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن بين هؤلاء العلماء والدعاة الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله[1]الذي يرى أن هذه الحضارة المعاصرة قد تقدمت في الجانب المادي والتكنولوجي، ولكنها تخلفت في الجانب الإنساني، فهي متحدة في حقائق علوم المادة في كل أنحاء العالم وهى مختلفة ومتنوعة في حقائق العلوم الإنسانية في كل دولة وجامعة ومعهد فيما عدا المدارس الدينية الإسلامية، وإذا كان الباحث يوجه أجهزة بحثه ليعرف حقائق ما يدور في أطراف المجرة النجمية وفى أعماق الأرض وداخل جزئيات الذرة، نجد أن ابنه أو ابنته قد احتار كل منهما- متجاهلا لفطرته- لا يدري هل يسلك سلوك الذكور أو الإناث؟! إن الشرق يعترف للغرب بتفوقه في علوم المادة، كما يعترف الغرب للشرق في ذلك لكن كل منهما يسفه الآخر في العلوم الإنسانية ويخطئه، ثم إذا اتحدا بدون الهدي الرباني اتجها معا أيضا في طريق خاطيء وإذا كان الإنسان قد وصل إلى علاقة نافعة مع المادة فعرف قوانين التعامل معها بصورة رائعة نجده قد جعل علاقته مع أخيه الإنسان علاقة صراع و نزاع.
إن البشرية تقدمت في الجانب المادي ووقعت في مأزق حرج في الجانب الإنساني ولا مخرج لها منه إلا بالإسلام([2]).
ولنطل مع فضيلة الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله وهو ينفذ إلى أعماق هذه الحضارة المعاصرة ويحدد بنور علم الله الذي حباه به مأزق هذه الحضارة المعاصرة بـ:
(1) الاختلاف في الرأي:
إن رأي الإنسان يتوقف على خمسة عوامل:
(أ) علم الإنسان: فإذا اختلف العلم اختلف الرأي.
(ب) فهم الإنسان: فمن الناس من يفهم فهما عميقا وآخر سطحيا وثالث يفهم بعيدا وهكذا.
(جـ) أخلاق الإنسان: فرأي الكريم يختلف عن رأي الليئم.
(د) تجارب الإنسان: إذا زادت التجارب غيرت في الرأي.
(هـ) مصلحة الإنسان: إن مصلحة الإنسان تؤثر تأثيرا كبيرا في الرأي، فالأمريكي يقاتل مع أمريكا لأن مصالحه ارتبطت بهذه الدولة، والروسي كذلك، وهكذا فإذا أردنا أن نوحد العوامل المؤثرة في تكوين الرأي عند الإنسان فنجعلهم على علم واحد وفهم واحد وخلق واحد وتجربة واحدة ومصلحة واحدة وهذا مستحيل. فمن المستحيل أن تتحد البشرية على رأي ما لم (تعترف بأن خالق الإنسان هو صاحب العلم الشامل والإحاطة بالظاهر والباطن، وأنه صاحب الصفات الكاملة والمثل الأعلى وحاضر مع ما كان وما يكون وما سوف يكون وليس له مصلحة في أن ينحاز على أحد لان الجميع عباده). فلا مخرج من هذا المأزق إلا بمعرفة الله الحق الذي له هذه الصفات التي تجعله هو صاحـب الحق في أن يدين الناس له، وما لم يعرف الناس خالقهم فلن يخرجوا من مأزق الاختلافات (… وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }هود118 ويوم أن تلقى الناس الهدى من خالقهم إتحدت آراؤهم حول قضايا من أقصى المشرق في الصين إلى أطراف فرنسا في الغرب.
(2) الصراع:
لقد نشأ الصراع بسبب أن ألله خلق في كل إنسان أطماعا واسعة لا تكفي الأرض لإشباع أطماع إنسان واحد، فكيفي بأربعة بلايين يتزاحمون ى هذه الأرض الصغيرة، فإذا أراد الإنسان إشباع طموحه وتحقيق رغباته فلا مفر له من الصراع وهذا هو حال الإنسان، صراع بين الأحلاف وصراع داخل الأحلاف، وصراع بين الدول، وصراع داخل الدولة، صراع بين الأحزاب، وصراع داخل الأحزاب وصراع بين أجنحة الأحزاب والطوائف والجماعات، وصراع داخل تلك الأجنحة حتى ينتهي الصراع في البيت الواحد، وبين الفرد والفرد، ولا مخرج من مأزق الصراع إلا بنزع الأطماع من فطرة الإنسان وخلقته أو بخلق أراض أخرى تناسب أطماع الناس. ومن المستحيل تغيير فطرة الإنسان وتبديلها، كما أن من المستحيل علينا أن نشبع أطماع الناس وأهواءهم، ولابد إذن من الصراع على المتاع القليل وسيكون الفوز للقوي أو المحتال، ولا مخرج من هذا المأزف إلا بتوجيه الفطرة لتستقيم مع حقيقة خلقتها وحقائق الوجود، من حولها، وذلك بإقناع الإنسان بتلك الحقيقة التي يبينها الله في أن هذه الدنيا دار ممر إلى الآخرة التي هي دار مقر، والتي يتحقق فيها كل مطالب الإنسان من خلود ورغبات وعدالة ( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) سورة ق الآية 3، ولكن بشرط أن يسلك الإنسان في الدنيا السلوك الذي يقوم على التعاون والرحمة والمودة والعطف مع غيره فمن ثمار هذا التخبط والصراع النفسي والاجتماعي أن الكافر في ظل هذه الحضارة الكافرة يسبح في ظلمات الجهالة الكبرى لا يعرف خالقه ويبالغ في تقدير هذه الحياة، فيلجأ للفلاسفة في محاولة الحصول على إجابة لحيرته، فيخرج من عندهم بمزيد من الحيرة والضياع.
ومثال على ذلك قصة ذلك الفيلسوف الوجودي الفرنسي المشهور الذي قطع نصف الطريق في بحثه عن إجابات لأسئلة الحياة المادية وتوصل إلى أن الإنسان يصارع في معركة خاسرة وأنه من المحتم عليه أن (يموت) وأن ليس مع الإنسان إلا أن يختار الطريقة التي يموت بها، وأوصى بأن يختار الإنسان موته وهو في أسعد اللحظات وبأسلوب يكون له أصداء عند الآخرين.
ولهذا فوجـيء به رئيس الشرطة في باريس أمامه، فوقف له هيبة وإجلالا، فإذا بهذا الفيلسوف يطلب منه اتخاذ الإجراءات اللازمة لأنه قد نفذ نظريته ووصيته. فقد رأى زوجته سعيدة تلك الليلة، فاختار لها أن تموت وهي كذلك واعتبر ذلك أحسن هدية يقدمها لزوجته التي يحبها!! فأصيب رئيس الشرطة بالذهول فاتصل بوزير الداخلية الفرنسي الذي تهيب هو الآخر اتخاذ القرار فاتصل برئيس الجمهورية الفرنسية حينها (جيسكار ديستان) الذي طلب التأكد من صحة الحادثة والتأكد كذلك من سلامة عقل هذا الفيلسوف أو أنه ليس مخمورا. وعندما أبلغ الرئيس بكافة المعلومات وتأكد أنها صحيحة قال: أحيلوه على مستشفى المجانين.. عار على فرنسا أن تعتقل عقلها وفكرها.. وأخذ عقل فرنسا وفكرها في ظل الحضارة المعاصرة إلى مكانه الطبيعي (مستشفى المجانين)!! إن ذلك الفيلسوف لم يكمل الطريق في دراسته وبحثه الفلسفي فقد وقف عند حد معين {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ }الروم7
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) سورة الحديد الآية 20 ، فلو واصل الطريق وعرف العلاقة بين الدنيا والآخرة (.. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14} ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ{15} ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون) سورة المؤمنون الآيات 14- 16، لو عرف ذلك لتحول سلوكه وأصبح لسعى للغرس في هذه الدنيا وللاستفادة من ولته فيما ينجيه غدا، إن هذه القصة وهناك قصص كثيرة أخرى تبين مقدار ضلال الإنسان بدون هداية من الله.. (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) سورة الزمر الآية 22، ([3]).
(3) الظلـم:
ومن سمات الحضارة المعاصرة الظلم والاستغلال إذ أنه لابد للناس من حكام ولابد للناس من قانون يحكمهم وإذا كانت الدنيا لا تكفي لأطماع شخص واحد وإذا كان الإنسان مملوءا بالشهوة والأطماع إذن فالفرصة مواتية أمام الحكام أن يستأثروا بأكبر قدر من متاع الدنيا وأن يضعوا من التشريعات ما يخدم مصالحهم. فمصالح الشعب في الغرب تؤول إلى أيدي مجموعة من الرأسماليين، ومصالح الشعب في الشرق تؤول إلى أيدي مجموعة من قادة الأحزاب ولا مفر من الظلم لأن الذي يحكم بين الناس هو واحد من الناس له أهواؤه وشهواته ومصالحه التي يراعيها أثناء حكمه، ولا مخرج من مأزق الظلم إلا أن يأتي التشريع من الخالق العليم الحكيم الذي لاينحاز لفئة ضد فئة ولا يميل مع الهوى سبحانه.
إن هذه القيادات التي تتسنمت قمم السلطة في كثير من الأنحاء تمارس نوعا من الثأر من الدين نظرا لترسخ الفكرة القائلة بتصادم العلم والدين بسبب تحريف الأديان الأخرى غير الإسلام، فسارت في طريق منحرف أيضا، فأنتجت هذه التجارب المتنوعة غير الناجحة “الوطنية والقومية” و”الشيوعية والاشتراكية” و”الخنفوسية والوجودية” وغيرها من التجارب التي أعلنت هزيمتها وفشلها وليس أدل على ذلك ماشاهدناه في عصرنا من تساقط سريع للتصور الشيوعي في العالم الذي تداعى تحت ضربات الجهاد الإسلامي المبارك بالدرجة الأولى.
(4) الضيـاع:
كذلك من سمات الحضارة المعاصرة ذلك الضياع الرهيب في خط سير البشرية، والمثال الذي يقدمه لنا الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله في هذا الجانب من مناظرته مع البروفيسور البريطاني (كريستوفر باليس) وهو من اليساريين الذين أشرفوا على تدريب عدد كبير من الأطباء في العالم أثناء إلتحاقهم هناك لأخذ درجة الزمالة للجمعية الملكية من أبلغ الأدلة على هذا الجانب الرهيب من حضارة اليوم السائر بغير هدي وعلم ونور من الله إلا من رحمه الله.
ففي ذلك اللقاء سأل الشيخ الزنداني حفظه الله البروفيسور البريطاني: هل لأعضاء جسم الإنسان (حكمة)؟ فأجاب: نعم هذا علم كامل يدرسه الأطباء اسمه (علم وظائف الأعضاء). فسأله الشيخ عبدالمجيد الزنداني: هل الحكمة من (العضو) خاصة به؟ أم أنها من أجل الكل؟ فسخر البروفيسور من السؤال وتعجب منه وأجاب بثقة: لو جئت بالجهاز الهضمي وحده بدون جسم هل له فائدة؟ فقال الشيخ الزنداني حفظه الله أيضا بثقة بالغة: بالتأكيد لا ليس له فائدة. عندئذ قال البروفيسور للزنداني حفظه الله : وكيف تسأل هذا السؤال مادمت تعرف الإجابة بأن العضو لم يخلق ويحكم من أجل نفسه، وإنما من أجل هذا (الكل) فقال الشيخ الزنداني حفظه الله : حسنا أنا عن هذا أسأل لأن هناك سؤالا آخر أهم.. هل هذا الكل الإنسان بأكمله بجسمه وروحه هل لوجوده وخلقه حكمة أم خلق عبثا؟ فبهت البروفيسور البريطاني اليساري، وبعد قليل قال: هذه فلسفة؟! فقال الشيخ الزنداني حفظه الله: هذا هروب من الإجابة وأنا أعرف أنك تعمدت ذلك الهروب وأعرف لماذا هربـت من الإجابة، ولكن قبل أن يجيب أيضا سأله الشيخ الزنداني حفظه الله سؤالا آخر: أيها البروفيسور هل لحذائك حكمه من صنعه، فأجاب البروفيسور: نعم.. نعم بالتأكيد
فسأله الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله مرة أخرى وأنت أيها (الإنسان) ألك حكمة من وجودك في هذه الدنيا؟ فسكت البروفيسور فإذا بالشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله يتعجب كيف أصبحت البشرية في نظر هؤلاء أحقر من النعال، فالأحذية يعترفون أن لها حكمة من صنعها والانسان لا يعترفون أن له حكمة من صنعه (… وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) سورة محمد الاية 12، ([4]).
هكذا نرى ملامح الضياع في حياة البشرية اليوم ضمن هذه الحضارة الضائعة، فمن لا يعرف حكمة خلقه هو في نظر نفسه أتفه من قصاصة الورق وأحقر من نعله لأن للورقة حكمة وللحذاء حكمة وهو لا يعرف حكمة خلقه ووجوده، ولقد جاول أمثال هؤلاء أن يعرفه حكمة خلقه ولكنه باء بالفشل فأنشد شاعرهم يقول:
جئت لا أعلم من أين؟ ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقا فمضيت وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت كيفي جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري.. ولماذا لست أدري؟ لست أدري؟
هذا هو لسان حال جزء كبير من البشرية في ظل الحضارة المعاصرة لا يعرف الإنسان فيها لماذا خلق ولا يعرف لماذا لا يعرف؟ لا يعرف من خلقه؟ ولماذا خلق؟ لماذا جاء إلى هذه الدنيا يستخدم ما سخر له ربه بدون علم بالعمل الذي يريد ربه منه أن يعمله والذي يغضبه سبحانه منه إن عمله، وقد سخرت الدنيا للناس ولكن الكافر لا يدري ما الحكمة من تسخيرها له يأكل ويشرب وينام ويستيقظ ويموت كموت البعير لا يدري لماذا بدأت حياته؟ ولا يدري لماذا انتهت؟ ولا يدري لماذا عاش على الأرض مدة ذلك الأجل المحدود، ولن يخرج الإنسان من مأزق الضياع هذا إلا إذا عرف ربه وخالقه فهو وحده سبحانه الذي يعرف الحكمة التي خلق من أجلها الإنسان، فالله سبحانه وتعالى منزه عن العبث وترك الأمور تذهب سدى، فقد قال عز من قائل كريم (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ{115} فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) سورة المؤمنون الآيتان 115، 116.
والمسلم يعلم أن الحكمة من وجوده وخلقه هي طاعة ربه وعبادته، فما من مصنوع يصنع إلا ليسير وفق إرادة صانعه، ذلك الأصل الذي بينه الله تعالى بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) سورة الذاريات الآيات 56- 58،.
(5) الإنهيار الأخلاقي والاجتماعي:
وتتميز الحضارة المعاصرة في رؤية واقعية ومحددة المعالم والوقائع يطرحها الشيخ عبدالمجيد الزنداني حولها بذلك الإنهيار الأخلاقي والاجتماعي الكبير الذي نتج عن انحرافها عن الصراط المستقيم وسبب هذا الإنهياو يرجع إلى قوة الشهوة التي لا يوقفها إلا قوة الإيمان وبغير إيمان يتحايل الناس تحت ضغط شهواتهم على أي قانون فلا تؤدي القوانين ثمرتها الكاملة، وسرعان ما ينكشف للناس أن القوانين قد أصبحت قيدا ضد ما وقعوا فيه من الشهوات والانحرافات، فسرعان ما يبادرون إلى تغييرها وجعل الإنحراف أمرا مشروعا وهكذا يسقطون وراء شهواتهم من هاوية إلى هاوية حتى أبيح الزنا واللواط وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ولا يزالون يسقطون حتى تتحطم في الإنسان قواه وتدمر فطرته وإنسانيته، ومع الإنحلال الأخلاقي يأتي الزنا، ومع الزنا ([5]) تتحطم الأسر ويتفكك المجتمع فيضيع الأطفال الضعاف بتفكك الأسرة ويضيع الآباء في سن الشيخوخة وأبلغ نموذج ومثال تقدمه الحضارة المعاصرة على مستوى إنحدارها يتجسد في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتباهى كثير من الناس بأنها قمة الحضارة المعاصرة اليوم، فقبل عدة سنوات قامت الصحافة والتليفزيون الأمريكي بإجراء إحصائيات عن (حالات الحمل) من (الأمهات قبل الزواج) أي من سن 11 إلى 18 سنة فقط، وهذه السن هي التي يحددها القانون للزواج ولا يسمح بالزواج قبلها. فكانت النتيجة هي (11 مليون طفل غير شرعي قبل سن الزواج) من (الأمهات قبل سن الزواج) واقتصر الاحصاء على هذه الفئة . مع أن هناك أطفالاً غير شرعيين من سن 18 إلى 46 سنة، هذا رغم استخدام موانع الحمل المختلفة!!!
وفى العاصمة الأمريكية (واشنطن دي سي) أيضا أجري إحصاء آخر للسكرتيرات اللواتي يمارسن الجنس مع مدرائهن، فكانت النتيجة (70 ألف سكرتيرة) مع أن العاصمة الأمريكية صغيرة.
هذه ا الإحصاءات محدودة في مناطق من أمريكا زعيمة الحضارة المعاصرة، فماذا عن الإحصائيات في كل الولايات المتحدة وكل أوروبا وكل العالم. ومن النتائج المرة لهذه الحضارة المنحلة تضاعف ووجود الأمراض الخبيثة التي تظهر عند إشاعة الفاحشة والمجاهرة بها وهي أمراض لم تكن موجودة فيمن سلف ولم يستطع الطب أن يجد لها علاجا ناجعاً حتى اليوم وأطلق عليها لقب (أمراض العصر) مثل (الإيدز) أعاذنا الله منه ([6]).
ولا نخرج للناس من هذا إلا بالإيمان الذي يكبح الشهوة بجانب قانون الشريعة الذي لا يسير مع الهوى ولا يسمح بالتردي في الهاوية.
(6) مظاهر القلق والضيق:
أصبح من المتعارف عليه أن (القلق والضيق والشقاء والتعاسة) من علامات الحضارة والمعاصرة. وقد أشرنا إلى ذلك الفيلسوف الذي (انتحر) وإلى موجات (الهيبيز والخنافس) الرافضين لواقعهم المعاصر وأصبحت حالات الانتحار والإدمان على المخدرات والكحول منتشرة على نطاق واسع لتناسي الضيق والقلق، وكل ذلك كما يفسر الشيخ الزنداني (يرجع إلى أن الإنسان لم يستقر في أعماق نفسه على فهم وعقيدة يطمئن إليها فهو لا يعرف من الذي خلقه ولا يعرف المالك الحقيقى له ولكل ما يتصرف به في هذا الوجود ولا يعرف المصير الذي ينتقل إليه فجأة بين لحظة وأخرى ولا يعرف هل عمله مرضى عنه من رب الكون أم لا؟ إلى جانب أن أوضاعه مع أهله وجيرانه ومجتمعه تتعرض باستمرار للاهتزاز هذا إذا كانت له صلات بهم فمن سمات الحضارة المعاصرة تقنين هذه العلاقات إلى حد معين ثم تنقطع ويحدث التفكك بل والانعزال يصل إلى حد إنعزال الإنسان عن جاره لأنه يخشى منه على عرضه وماله، فيعيش الجار بجانب جاره أعواما لا يعرف اسمه. أما المؤمن فهو راض بقضاء ربه على كل أحواله يعرف أن ربه حكيم وأن حكمه الحق كما يعرف العلاقة بينه وبين خالقه وبينه وبين عباد الله فهو مطمئن ليعيش في سعادة ورضى كما قال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي{30} ) سورة الفجر الآيتان 37، 38،.
(7) الاختلال التشريعي:
إن الشيخ فضيلة الزنداني حفظه الله يرى أن هذا الاختلال التشريعي ثمرة من ثمار الاختلال العام في منهج وسير الحضارة المعاصرة الذي أخذ سبيل الإعراض عن منهج الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وللشيخ الزنداني حفظه الله قول متناسق عن هذا الأمر في إطار عرضه لمظاهر الحضارة المعاصرة ومآزقها محتواه أن الإنسان لا يعرف الحكمة من خلقه فكيف يشرع لنفسه التي يجهل حقائقها والإنسان لا يملك من نفسه أو مما ينتفع به شيئا، فكيف يشرع لما لا يملك والإنسان مملوء بالأهواء والشهوات والأطماع فكيف يشرع من مليء شهوة وأهواء وأطماعا.
إن التشريع يكون خادما لأهواء الطبقة الحاكمة ومصالحها ويدور معها حيث دارت وتكون الشعوب ضحية تلك التشريعات، وإذا إنحرف المجتمع إلى وضع سيء طوعوا التشريعات لانحرافهم فجعلوا من الانحراف وضعا شرعيا يقره القانون، ولا مخرج للبشرية من هذا الاختلال في أمر التشريع إلا بتلقي الشريعة من الخالق سبحانه وتعالى الذي يعلم بدخائل النفوس ويملك كل شـيء في الوجود وتحلى بأوصاف الجلال والكمال سبحانه ولا ينحاز لفئة من الناس في أحكامه بغير حق ولا يقر إنحرافاً أو إجراماً.
وهكذا نرى أن الإنسان رغم عمارته للأرض بالحضارة المعاصرة فهو أيضا قد خرب الإنسانية وأوقعها في مأزق ولا مخرج لها منه إلا بالإسلام، فالله سبحانه وتعالى من عرشه العظيم ينادي البشرية كلها بقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) سورة النساء الآية 170،.
(ليَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً{174} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) سورة النساء الآيات 174- 175،[7].
إلى كلبة الحضارة العالمية !!
بعد أن أعلن المكتب الصحافي في البيت الأبيض وفاة كلبة الرئيس الأمريكي الراحلة “سبوت بنت ميلي” والتي ترجع أصولها إلى إنجلترا!.
نعزيك في الكـــلبة الرَّاحلة عزاءُ تُسَــــرُّ به العـــــائلَهْ
[8]
نعزيك في كلبةٍ ودَّعــــــت وغابت عن الأعين الذاهلَهْ
نعزيك فــــــيها وقد فارقت حياة، برحمـــــتكم حافلَهْ
برحمتكم؟! أينَ؟ لا تعذلوا سؤالاً، ولا تعذلوا سائلَهْ
لقد فارقت داركم، لم تعد هنـــــالك خارجة داخلَهْ
فـــقدتم عـــزيزاً بفقدانها فكفكف دموع الأسى الهاطلَهْ
نعزِّيك في حُسْنِ هندامها وفي شعر”قَصَّتها” المائلَهْ
نعـــزِّيك في لون أنيابها وفرشاة” أسنانها الناحلَهْ
وفي أذنـــيها وفي ذيلها وضحكة أشداقها الهائلَهْ
نعزِّيك في مربض دافيءٍ إذا ربضت ساعة القائلَهْ
نعزِّيك في جنبها، لم تعد تحك به أرجل الطاولَهْ
تُــــعزيك أشلاء أطفالنا وجدران أوطاننا الفاصلَهْ
تُعزيك أم رأت ابنــــها قتيلاً، ودوحـــتها ذابلَهْ
تُعــزِّيك غزة لم تنشغل بأخلاق غاصبها السافلَهْ
يُعزِّيك طفل العراق الذي تشَّرد في أرضه القاحلَهْ
يُعزِّيك ماء الفرات الذي رأى قسوة الضربة القاتلَهْ
رأى القاذفات التي أرسلت إلى الناس غازاتها السائلَهْ
رأى الطائرات التي أسرفت غدوًّا، رواحًا إلى الحاملَهْ
رأى الناقلات التي لم تزل تُلاحــــــــقُ ناقلة ناقلَهْ
تُلاحــــــــقُ ناقلة ناقلَهْ ببرقية بُعثت عاجـــــلَة
نعزِّيك فيمن فُجــعتم بها وكانت بنعــمائكم رافلَهْ
فراق “سُبوت” لأحبابها فراق تجلَّــت به النازلَهْ
فكم زفرة بعدها صُعَّدت وكم دمــعة بعدها هاملَهْ
كريمة أصـــلٍ فأخوالها سُلالة إنجلترا الــباسلَهْ
و”ميلي”هي الأم جاءت بها لتصبح مشغولة شاغلَهْ
وأمَّا أبوها وأعــــمامها فيُنمَونَ للأسر الخاملهْ
ولا ضير فالأم أولى بمن تكون بآبائها جاهـــلَهْ
نعزِّيك فاصبر على فقدها فدنيا الورى كلها زائلَهْ
فإن الــعزاء لكم واجب وإن العـــــزاء لنا نافـلَهْ
أتأذن بعد العـزاء الذي نظرنا به نظرة عادلَهْ؟
أتأذن لي بالسؤال الذي تردده الأنفس الجافلَهْ ؟
سؤال المساكين في عالمٍ تداعت أساطيله الصائلَهْ:
أيمكن أن يجدوا لفتة من العطف كالكلبة الراحلَهْ؟؟

إن الله جل جلاله يبسط يدهالشريفة بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده الشريفة بالليل ليتوب مسيء النهارفلنغتنم فرص العمل اليسير بالأجر العظيم ولتعلم كل العلم إنهم( بسم الله الرحمن الرحيم ” يُرِيدُونَلِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْكَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ”) وسبحانك اللهموبحمدك لا إله إلا أنت وأستغفرك وأتوب إليك وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبهوسلم تسليماً كثيرا ًأخوكم الواثق بنصر الله أبو عبدالرحمن اليافعي.

قريبا بإذن اللهمحتويات فصول كتابنا الجديد
إشاراتوبشاراتفي طريقخلافة على منهاج النبؤة
الجزء الاول : أبشركم بالــــــمــــهــــدي عليه السلام
(طاؤوس أهل الجنة)
(يملا الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا)
بقلم: أبى عبدالرحمن اليافعي
يليه:
التعقيب (النوراني )
على أراء ( الكوراني) حول حركة وفتنة (السفياني)
أوصيكم الدعاء الدعاء الدعاء.

[1] للمزيد من التفاصيل كتابنا المجلد ( علماء اليمن ومسيرة إلاصلاح الشامل ) وكتابنا ( بعض القضايا المعاصرة للامة الاسلامية وتوجهات النظام العالمي الجديد) .

[2]– انظر كتب الشيخ الزنداني حفظه الله ومنها كتاب توحيد الخالق ( مجلدين ) وكتاب طريق الإيمان وكتاب علم الايمان ( مجلدين) وكتاب معجزات الرسول صلى الله عليه واله وسلم .

[3]– انظر محاضرات الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله ( دعوة إلى أهل عصرنا) ( الإسلام الحضارة الغربية) وغيرها من المحاضرات المتصلة بهذا الموضوع..

[4]– انظر محاضرات الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

[5] – لمزيد من التفاصيل يمكن العود إلى كتاب ( عمل المرأة في الميزان) للشيخ البروفيسور محمد علي البار،( وتحرير المرأة) للشيخ الداعية محمد قطـب.حفظهم الله, واحسن لنا ولهم الخاتمة امين .

[6] – انظر محاضرة الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله ( الصراط المستقيم ) .

[7]ويكون من المهم الإشارة هنا إلى أهم المحاضرات والمناظرات التي تتناول مسألة (الحضارة المعاصرة) والمسجلة على أشرطة متنوعة وعديدة يمتد الواحد منها إلى 4، 5 ساعات أو أكثر مع الشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله ومنها على سبيل المثال: الإسلام والحضارة الغربية و دعوة إلى أهل عصرنا. و آيات الله في الكون .ومنهج الإيمان .و حقيقة الإيمان .والإعجاز العلمي في القران والسنة.و الصراط المستقيم .والدار الآخرة والإيمان باليوم الآخر.و الآيات والبينات ألقيت في مدينتي بريدة وعنيزة.والكتب المشار اليها في هذه الهوامش .ومحاضرات الشيخ في جامعة الايمان .

[8] مواساة شعرية كتبها اخي وحبيبي د. عبدالرحمن بن صالح حفظه الله بعد أن أعلن المكتب الصحافي في البيت الأبيض وفاة كلبة الرئيس الأمريكي الراحلة “سبوت بنت ميلي” والتي ترجع أصولها إلى إنجلترا!.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: