انجُ سعد ، فقد هلك سُعَيْد ..

بسم الله الرحمن الرحيم
اخوانى الاحبه مقال اعجينى
هل تقرؤن معى
انجُ سعد ، فقد هلك سُعَيْد .. !
الذل : الهوان الذي يلحق الفرد أو الجماعة ، ونقيضه العز . وإذا أردنا أن نحلل هذا ونبحث عن أسبابه وطبيعته ، نجد – أولاً – أنه حالة نفسية تعتري الفرد نتيجة لعوامل متعددة تحيط به .
فمن طبع النفس الإنسانية حب الحياة ، والتشبث بها ، والإخلاد إلى نعيمها ، والركون إلى شهواتها ..ومن طبعها أيضاً أن تعيش لهدفٍ سامٍ ، تعمل على تحقيقه ، ولا تبالي المصاعب التي تعترضها من أجل ذلك . وعند هذا المفترق يتمايز الناس ، فمنهم من يفضل أن يهين جسمه ، ويتحمل المصاعب ، ولو أدى به ذلك إلى الحرمان من الحياة أو الحرية ، في سبيل أن تبقى القضية – التي نذر لها نفسه – حية ، ومنهم من يؤثر السلامة ، وتغلبه ضرورات الحياة ، ولو أدى به ذلك أن تداس كرامته ، وتسحق تطلعاته ، في سبيل أن يبقى على قيد الحياة ، متمتعاً بمستوى معيشي معين .
فهاهنا موقفان ، كل منهما يعبر عن فهم خاص للحياة ، ويتخذ الموقف الملائم الذي يتفق وهذا الفهم ، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى بقوله :
أرى كلَّنا يبغــــي الحيـــاةَ لنفسه حريصاً عليها مستهاماً بها صـــباً
فحبُّ الجبانِ النفس أورثه التقى [1] وحب الشجاع النفسَ أورثه الحربا

وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة : هل الذل موروث أم مكتسب ؟
والذي نميل إليه هو أن هذا الخلق – كغيره من الأخلاق – مكتسب عن طريق التربية التي تأتي انعكاساً للظروف الخارجية المحيطة بالإنسان . فإذا استمر هذا الخلق ، يلقنه جيل سابق لجيل لاحق أصبح وكأنه طبع موروث لا حيلة للفكاك منه .
فالذل الاجتماعي – ونعني به : الذل الذي يصيب جماعات وشعوباً ، ويصبح ظاهرة مرئية محسوسة – ينتج عن تراكم حالات فردية تنتهج نهجاً ذليلاً في حياتها ، ومن خلال اعتيادها لهذا النمط من العيش ؛ يصبح الذل وكأنه سمة بارزة تشتهر بها ، وذلك عندما تفتقد المثل الأعلى ، والفكرة السامية ، والعقيدة الدافعة ، التي تتجمع حولها ، ويشعرها ذلك التجمع بسوء الحال الذي تردت فيه ، فيبعث فيها روح التمرد على هذه الحال ، لتنشط من عقالها ، وتنتفض من الموت الذي خُيِّل إليها – في فترة – أنه حياة ، وما هو -عند التحقيق – إلا حياة خالية من المعنى ، ونعني به : الحياة في ظل الذل و الاستكانة .
إن لله سنناً لا تتخلف ، تجري على الأفراد كما تجري على المجتمعات ، وعلى ضوء هذه السنن يمكننا فهم كثير من الحقائق التاريخية التي تكتنف الشعوب والأمم في مسيرتها [2] ، ومن هذه السنن أن الله تعالى – أحياناً كثيرة – يعاقب الناس ويبتليهم مقابل ذنوبهم جزاء ما فرَّطوا ، فيضرب عليهم الذل والسكينة ، ويسلط عليهم ما لم يكونوا يتوقعون ، كل ذلك من أجل أن يرجعوا عن غِّيهم ويثوبوا إلى رشدهم ، ويتخلوا عن التقصير ، بعد أن ركنوا إلى الأرض واستحبوا القريب العاجل على الخير الآجل .
عوامل الذل :
ما الذي يجعل شخصاً ما ، أو شعباً من الشعوب ، ذليلاً ؛ خاضعاً ، مكسور الشوكة ، مهيض الجناح ؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً ، أو أسباباً أدت إليه .
أما الأسباب الذاتية : فهي قابلية وأهلية للخضوع ، تكبر مع الزمن ، في ظل غلبة الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل .
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة ، وتجعل هدفاً رئيسياً لها :
( تحقيق الرفاه المادي ) ، بأي شكل تحقق هذا الرفاه ؛ تكون قد دخلت طور الانهيار والاضمحلال من بابه الواسع . قد تعيش سنوات – تطول أو تقصر – في ظل هذا العبث ، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها ، ويخدعها كل ذلك عن النهاية المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما ، ولكن ريحها ستذهب ، ودولتها ستدول لا محالة ، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة لفئة قليلة تميل بها ذات اليمين وذات الشمال ، وقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز هذه الحالة ، ممثلة في قوم فرعون فقال ، عز وجل : [ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ] [سورة الزخرف 54] .
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى الشهوات والمطامع ، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق ، وعدم الالتفات إلى هدي الله والتمسك بحبله ، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان ، أما المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية ، ويَزِنون لأمور بميزان الإيمان ، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل – الاستخفاف بهم ، وتوجيههم الوجهة التي تجعلهم ( غشاء كغشاء السيل ) .
وأما الأسباب الخارجية : فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية ، ارتباط النتيجة ، بالسبب .
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها ، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون إلا الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب ، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به قطاع الطرق ، من الجرأة على سفك الدماء ، وعند ذلك تكمل الدائرة ، وتتواصل حلقات السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها ، وبعد أن كانت حالة الذل الأولى مجرد قابلية ، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا الخلق الذميم ، فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في النفوس .
فالقوانين ، التي تشرع ، والعادات التي تشجع ، والثقافة التي تسود ، والأجهزة والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها ، كل ذلك يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع ، وتجريد الأفراد من كل معاني عزة النفس والعفة ، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية ، والبعد بها عن كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية ، والعمل ، ليل نهار ، من أجل اقتلاع أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها ، وأمسكت عليها وجودها مميزاً ، وذلك بالتشكيك تارة ، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى ، وبالجرأة الوقحة التي يُغالي في الإنفاق عليها ، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من يتولون كِبْرَها ، في الوقت الذي تهدر فيه الكرامات ، وتداس فيه الحريات ، وتكمُّ فيه أفواه الحق ، وتطلق فيه ألسنة الباطل ، وتنقبض فيه الأيدي عن البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وإذا بقيت – بعد كل هذا – بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على (غسل مخها ) والتخلي عما تعتقده وتراه ، ووقفت – ما أمكنها ذلك – صابرة مرابطة محتسبة ؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات ، حيث يؤخذ بالشدة والعنف ، ويحارب في رزقه ، وحريته ، وسمعته .
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و ( تسويقه ) وانتشاره على أوسع مساحة من الناس ، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة ، إن كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر – ولو بصمت – بطريقة تخالف منطق الاستبداد والقهر ، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً ؛ والتعبير عما يبدو له بشكل يتعارض ونية قاهريه ، سيجد أمامه – أنّى التفت ، وحيثما توجه -لافتة مكتوباً عليها : ( انج سعد ، فقد هلك سُعيد ) [3] .
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه ، وإن ما يصيبها من الظلم ، وما تُرمى به من صنوف البلاء : كالفقر ، وانعدام الأمن ، وهدر الحقوق ، وتسلط الرعاع والسِّفْلة ، و … كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله ، وعقوبة منه على التفريط ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وصدق الله العظيم إذ يقول : ] ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ (الروم 41) .
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم ، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر – رضي الله عنه – خالد بن الوليد ، غداة مسيره لمحاربة المرتدين : ( احرص على الموت توهب لك الحياة ) ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة عملية لهذه الوصية ، مما جعله يقول لهرقل ، قبيل معركة اليرموك : ( .. لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت – الحياة ) .
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة – كهذه الفترة أو أشد – مستهم فيها البأساء والضراء وزلزلوا ، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي ، ضج السهل والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وأشفق المؤرخون من هول ذكره ، وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل ، من المغول ، يأمر الرجل ، فيضع خده وعنقه على الأرض ، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال ، بلا حراك ،ومن غير ما حارس يحرسه ، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته ! ! .
وفي كل مرة زحف – ويزحف – فيها التتار والمغول وأشباههم ؛ يعملون على قذف الرعب ، واستلال روح المقاومة من النفوس ، ولم يوقف زحف المغول الأصفر إلا هتاف : ( وا إسلاماه ) ، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت .
ولن يوقف المغول والتتار ، ومن في حكمهم ، إلا مثل هذا الهتاف : ( واإسلاماه ) .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: